بين معركة الوجود وحسابات القرار كتب فراس رفعت زعيتر في البناء ليس ما يجري تفصيلاً عسكريًا عابرًا، بل محطة مفصلية في صرا
بين معركة الوجود وحسابات القرار
كتب فراس رفعت زعيتر في البناء
ليس ما يجري تفصيلاً عسكريًا عابرًا، بل محطة مفصلية في صراع طويل على هوية المنطقة وموازين القوى فيها. فالمواجهة الدائرة اليوم تتجاوز حدود الجغرافيا، لتلامس بنية الأنظمة وخياراتها الاستراتيجية. وفي قلب هذا المشهد، تخوض إيران حربًا يمكن توصيفها بأنها حرب بقاء سياسي واستراتيجي في آن معًا.
الرهان لدى إسرائيل والولايات المتحدة لا يقف عند حدود الردع أو توجيه رسائل نارية. الهدف أوسع: تقويض بنية النظام الإيراني، تصفية قدراته الصاروخية، ووضع حدٍّ نهائي لمساره النووي. إنها محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى في الإقليم عبر كسر الحلقة المركزية فيه.
في المقابل، تدرك طهران أن أي انكسار استراتيجي سيُترجم انهيارًا تدريجيًا لمواقع نفوذها في المنطقة. لذلك تعتمد مقاربة مختلفة: إدارة صراع طويل النفس، قائم على الاستنزاف وتراكم الكلفة، لانها لا تملك قدرة الحسم السريع. حربها تُخاض بالنقاط، بتفكيك أهداف الخصم، بإفشال خططه، وبإجباره في النهاية على مراجعة حساباته.
هنا يبرز دور حزب الله بوصفه فاعلًا إقليميًا لا مجرد متلقٍّ للتوجيهات. قراره لا يُختزل بعنوان “الإسناد”، بل يرتبط بحسابات تتصل بموقعه ودوره ومستقبله داخل المعادلة الكبرى. الحزب يقرأ المشهد انطلاقًا من معادلة واضحة: إذا كُسرت إيران، ستُفتح الأبواب لمحاولة إعادة تشكيل لبنان بالقوة، وإذا صمدت فستسعى إسرائيل لتعويض إخفاقها في ساحات أخرى، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
من هذا المنظور، لا يرى الحزب نفسه خارج المعركة، بل جزءًا من مسارها. قراره بالدخول في المواجهة، أو توسيعها، يُبنى على تقدير أن الانتظار قد يفضي إلى حرب مفروضة لاحقًا بشروط أشد قسوة. فالعدو الذي يسعى إلى تفكيك المركز لن يتردد في استهداف الأطراف عند أول فرصة سانحة. وعليه، تصبح المبادرة ضمن ظرف إقليمي معقد أقل كلفة من تلقي ضربة في توقيت يختاره الآخرون.
الحزب، وفق هذه القراءة، يتصرف على قاعدة “الوقاية بالمواجهة”: رسم قواعد اشتباك جديدة قبل أن تُفرض عليه قواعد أكثر اختلالًا. هو لا يخوض معركة عاطفية، ولا يسعى إلى مغامرة مفتوحة، بل يتحرك ضمن حسابات ردع وتوازن. كل خطوة تُقاس بميزان الربح والخسارة، وبمدى تأثيرها على معادلة الردع في لبنان وعلى صورة القوة في الإقليم.
إذا أخفقت إسرائيل وواشنطن في تحقيق أهدافهما الكبرى، فإن صمود إيران سيُترجم تثبيتًا لنفوذ حلفائها، ومن بينهم حزب الله، وستصبح أي تسوية مقبلة أقرب إلى شروط هذا المحور. أما إذا تحقق العكس، فستكون الساحات المحيطة أول من يدفع الثمن.
هكذا يتقاطع قرار الحزب مع حسابات طهران، لا بوصفه تبعية، بل ضمن شبكة مصالح متداخلة ترى أن المعركة واحدة وإن تعددت جبهاتها. إنها مواجهة تُدار بعقل بارد، حتى لو كانت نارها مشتعلة. والنتيجة، أيًا تكن، ستعيد رسم حدود القوة والدور في المنطقة لسنوات طويلة مقبلة.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها